محمد أبو زهرة

3468

زهرة التفاسير

الدعوة الإسلامية ، واستمساكا بدينهم ، وكان الأنصار الذين آووا ونصروا ، وإذا كان المهاجرون آزروا النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وأقاموا معه الدعامة الأولى لبناء الإسلام ، فالأنصار هم الذين عاونوا النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في إقامة الدولة الإسلامية ، وإذا كان الأولون هم قوم النبي صلى اللّه عليه وسلم وأقرباءه ، فالأنصار هم أحباؤه الذين أقسم لهم وإنه لصادق : « لو سلك الناس شعبا ، وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار » ، والذين دعا لهم فقال : « اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار » « 1 » ، رحمهم اللّه ولعن من أذاهم وأبى . وقد وصف اللّه المهاجرين والأنصار بوصف يبين حالهم في حال الشديدة التي كانت في تبوك فقال : الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ ، والساعة الجزء من الزمن كالغداة ، والعشى ، والظهيرة ، وهذا وصف كاشف لحالهم ولخبيئه ، فالمهاجرون الذين تركوا الدار والأهل والمال هم الذين اتبعوا النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في ساعة الشدة ، وكذلك الأنصار الذين آووا ونصروا ، وكانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة هم كذلك الذين اتبعوه في ساعة العسرة ، وقد ذكرنا بعض ما كان من عسرة شديدة ، حتى أن الأعناق كادت تنقطع من شدة العطش لولا دعاء الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وقد صور اللّه تعالى شدة العسرة على بعض النفوس فقال تعالى : مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ، أي أن الشدة بلغت أقصاها حتى كادت تزيغ قلوب أي تنحرف وتضل قلوب فريق منهم ، ولكنهم لم يزيغوا ، ولم يضلوا ، بل اصطبروا ، ومرت الشديدة ، وانتهوا إلى الاطمئنان . وقال تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ الضمير في عَلَيْهِمْ إما أن يعود إلى المهاجرين والأنصار ، ويكون تأكيدا لقبول توبة اللّه لهم ، وإما أن يعود على الذين كادت تزيغ قلوبهم ، وهذا ما نميل إليه ، ويكون المعنى إن العسرة كانت شديدة

--> ( 1 ) سبق تخريجه .